يرى آزاد عيسى أن إدانة عدد من الدول الأفريقية لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تحمل دلالة سياسية تتجاوز وزنها المباشر، إذ تعكس تآكل السلطة الأخلاقية للغرب وتنامي القلق من تحول انتهاك السيادة واستخدام القوة الأحادية إلى قاعدة مقبولة في النظام الدولي.
يوضح المقال أن ميدل إيست آي يضع هذه المواقف الأفريقية في سياق دولي مضطرب، يشهد أزمات كبرى من غزة إلى السودان، حيث بات الصمت أو التردد الغربي لافتًا، مقابل أصوات صريحة صادرة من خارج الدائرة الغربية التقليدية.
إدانات إفريقية في لحظة فاصلة
تُعدّ الأحداث التي شهدتها كراكاس، مع الضربات العسكرية الأميركية واختطاف رئيس دولة ذات سيادة، من أوضح الانتهاكات للقانون الدولي المعاصر. وتحوّل الاهتمام العالمي سريعًا إلى طريقة تفاعل الدول مع هذا التطور الخطير، خاصة في عالم يغلي أصلًا بتداعيات حروب وإبادات جماعية.
برزت الإدانات القوية من أميركا اللاتينية، لكن اللافت جاء من القارة الأفريقية. أكدت جنوب أفريقيا أن الغزوات العسكرية ضد الدول ذات السيادة لا تنتج سوى عدم الاستقرار وتعميق الأزمات، وحذّرت من أن الاستخدام الأحادي وغير القانوني للقوة يقوّض أسس النظام الدولي. وعبّرت ناميبيا عن صدمتها من اختطاف مادورو وزوجته، واعتبرت الخطوة انتهاكًا صارخًا لسيادة فنزويلا والقانون الدولي، مستندة إلى تاريخ مشترك من النضال ضد الاستعمار.
انضمت دول أخرى مثل بوركينا فاسو وتشاد وغانا إلى موجة الانتقادات، بينما خرج الاتحاد الأفريقي عن صمته النسبي ليعرب عن قلق بالغ إزاء التطورات في فنزويلا، بما في ذلك اختطاف رئيس الجمهورية والهجمات على المؤسسات الفنزويلية.
صمت غربي وإشارات ازدواجية
يقارن الكاتب بين هذه المواقف الصريحة وردود الفعل الغربية الفاترة. فضّل رئيس الوزراء البريطاني انتظار الحديث مع الرئيس الأميركي قبل إبداء موقف، ودعت ألمانيا إلى تجنب التصعيد رغم وضوح الطرف المعتدي. وذهب بعض الحلفاء الغربيين، مثل هنغاريا، إلى حد الاحتفاء باختطاف مادورو، على خطى الخطاب الإسرائيلي.
لا تغيّر الإدانات الأفريقية مسار الأحداث في فنزويلا، ولا تعيد رسم موازين القوى العالمية، لكنها تكشف شيئًا أعمق: تراجع الهيمنة الخطابية للغرب، وتصاعد الخوف من أن تتحول هذه السوابق إلى أعراف دولية. ويتردد الحديث بالفعل عن دول أخرى قد تواجه المصير ذاته، من إيران إلى غرينلاند، في ظل مناخ دولي يتسامح مع القوة العارية.
الرفض كفعل سياسي
يؤكد المقال أن هذه الإدانات لا تصدر عن سذاجة سياسية. تدرك الدول الأفريقية جيدًا تاريخ المعايير المزدوجة الغربية، من فيتنام إلى العراق وليبيا وغزة. كما تدرك كلفة معارضة واشنطن علنًا، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية، وعقوبات، وقيود على المساعدات والسفر.
يستحضر الكاتب مثال جنوب أفريقيا، التي واجهت اتهامات وحملات تشويه وعقوبات جمركية بعد مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية ولجوئها إلى محكمة العدل الدولية. ويشير إلى أن إدارة ترامب وسّعت مؤخرًا حظر السفر ليشمل عشرات الدول، من بينها دول أفريقية، في خطوة تعكس منطق العقاب والتهميش.
في هذا السياق، يكتسب فعل الإدانة معنى خاصًا. لا يهدف إلى قلب الطاولة، بل إلى تسجيل رفض أخلاقي وسياسي. ويتقاطع موقف الدول التي أدانت اختطاف مادورو مع مواقف سابقة لها إزاء حرب غزة، ما يعكس اتساقًا نسبيًا في الدفاع عن مبادئ السيادة ورفض التدخل.
يشدد المقال على أن أهمية هذه الإدانات لا تكمن في قدرتها على إيقاف الهجوم الأميركي، بل في رفضها منح الشرعية أو «القبول» لسلوك قائم على القوة. وفي عالم تتسع فيه فجوات القوة، قد يصبح الامتناع عن الموافقة آخر أشكال المقاومة المتاحة.
هكذا، تكتسب أصوات أفريقيا وزنها الرمزي، لا لأنها تغيّر الواقع فورًا، بل لأنها تذكّر بأن النظام الدولي لا يزال محل نزاع، وأن سردية القوة ليست قدرًا محتومًا، مهما بدا ميزان القوة مختلًا.
https://www.middleeasteye.net/opinion/why-africas-condemnations-over-maduros-abduction-matters

